رجل الدعوة الصادق

رجل الدعوة الصادق – د. محمد حامد عليوة
«الدَّاعِية الصَادِقُ هو مَنْ يُشجع المُتميّزين ويُعزز تقدُمَهُم،
وفي ذَاتِ الوَقت ترَاهُ يَأخذُ بأيَاديّ الْمُتَعَثرِينَ، وَيَحْنو عَلَيْهِمْ، وَيَتَرَأفُ بِهِمْ، حَتّى يُكْمِلُوا مَعَهُ السَّيرَ عَلَى طَرِيقِ الدَّعْوَةِ.»

نُشِرت في أخلاق وقيم تربوية | أضف تعليق

خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره – د. محمد حامد عليوة

خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره – د. محمد حامد عليوة

قيل للإمام الحسن البصري:
«ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها، فقال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.»
ولعل من العلامات الدالة على هذا المعنى؛ أن ليل المؤمن له صدى في نهاره، فمن عمّر ليله بذكر وطاعات وقيام ودعوات، ظهر ذلك في نهاره قبول وفتوحات، وأنوار وتجليات وتوفيق وبركات.
ومن كثرت صلاته بالليل حَسُن وجهه في النهار.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ لِلْحَسَنَةِ نُورًا في القَلْبِ، وضِياءً في الوَجْهِ، وقُوَّةً في البَدَنِ، وزِيادَةً في الرِّزْقِ، ومَحَبَّةً في قُلُوبِ الخَلْقِ، وإنَّ لِلسَّيِّئَةِ سَوادًا في الوَجْهِ، وظُلْمَةً في القَلْبِ ووَهَنًا في البَدَنِ، ونَقْصًا في الرِّزْقِ، وبُغْضَةً في قُلُوبِ الخَلْقِ.»
لذلك يقول بن القيم الجوزية: «كان بعض السلف يقولون: إن أحدنا ليلقى أخاه، فيكون برؤيته عاقلًا أيامًا، يراه فيعقل ويخنس شيطانه.»
ومما قيل في الحسن البصري:
«أنه كان إذا رُؤي ذُكر الله»، بمعنى أن رؤيته كانت تُذكر بالله، لذلك كان الناس في زمانه يحرصون على لقياه وصحبته.

يُروى أن أعرابي دخل مدينة البصرة، فقال: من سيدكم؟ قالوا: سيدنا الحسن البصري، قال: كيف سادكم؟ قالوا: استغنى عن دنيانا وافتقرنا إلى علمه ودينه.
لقد تربى الحسن البصري في بيت النبوة، وأدرك نحو 500 من صحابة رسول الله ﷺ، تقول فيه السيدة عائشة رضي الله عنها:
«كلامه يشبه كلام الأنبياء».

نعم كان الحسن البصري كلامه يشبه كلام الأنبياء، وكانت رؤيته تذكر بالله، لأنه كان له حال مع ربه.
ومن روائع الشعر في هذا المعنى:
إذا سَكَن الغَديرُ عَلَى صَفَاء … وَجُنبَ أنْ يُحَرّكَهُ النَّسيمُ
تَرَى فِيهِ السَّمَاء بَلا امْترَاء … كَذَاكَ الشَّمْسُ تَبْدو وَالنّجُومُ
كَذاكَ قُلُوبُ أرْبَاب التَّجَلِّي … يُرَى فِي صَفْوها اللهُ العَظيمُ


نُشِرت في أخلاق وقيم تربوية | أضف تعليق

السؤال في القرآن: مدخل إلى إنتاج المعرفة الإنسانية

السؤال في القرآن: مدخل إلى إنتاج المعرفة الإنسانية
د. زيد أحمد المحيسن

ليس السؤال في القرآن الكريم مجرد أداة للاستفهام، ولا وسيلة للحصول على جواب فحسب، بل هو أحد المفاتيح الكبرى التي بنى بها الوحي منهجه في تكوين العقل الإنساني وإنتاج المعرفة. فالمتأمل في الخطاب القرآني يكتشف أن القرآن لا يبدأ دائمًا بتقديم الحقائق جاهزة، وإنما يبدأ بإثارة العقل، وتحريك الوعي، ودفع الإنسان إلى التفكير، حتى يصبح الوصول إلى الحقيقة ثمرة رحلة عقلية واعية لا مجرد تلقٍ سلبي للمعلومات. ومن هنا يمكن النظر إلى السؤال بوصفه البذرة الأولى التي تنبت منها المعرفة، والشرارة التي توقظ الفكر، والمنهج الذي ينتقل به الإنسان من الجهل إلى العلم، ومن التقليد إلى البرهان.

لقد تكرر الجذر اللغوي (س-أ-ل) في القرآن الكريم في عشرات المواضع، وجاءت صيغة «يسألونك» في موضوعات متعددة شملت العقيدة والعبادة والأخلاق والكون والإنسان والتاريخ، الأمر الذي يكشف أن السؤال ليس حادثة عارضة في النص القرآني، بل هو مكوّن أصيل في بنائه المعرفي. فالناس يسألون، والقرآن يجيب، لكنه في كثير من الأحيان لا يكتفي بالجواب المباشر، بل يعيد تشكيل السؤال نفسه، ويوجه عقل السائل إلى أفق أوسع، فيتحول الجواب من معلومة إلى منهج، ومن حكم جزئي إلى رؤية شاملة. فالغاية ليست إشباع فضول الإنسان فحسب، وإنما تعليمه كيف يفكر، وكيف يبحث، وكيف يزن الأمور بميزان العقل والدليل.

ولعل أكثر ما يلفت النظر أن القرآن يستخدم السؤال في اتجاهين متكاملين؛ الأول هو سؤال الإنسان الباحث عن المعرفة، والثاني هو سؤال القرآن للإنسان. ففي الاتجاه الأول نجد الناس يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، والخمر، والروح، والإنفاق، والساعة، وغيرها من القضايا التي تشغل العقل الإنساني. أما في الاتجاه الثاني فإن القرآن هو الذي يسأل: ﴿أفلا يعقلون﴾، ﴿أفلا يتدبرون﴾، ﴿أفلا ينظرون﴾، ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾. وهذه الأسئلة ليست طلبًا لجواب مجهول، وإنما هي أسئلة توقظ الضمير، وتستفز العقل، وتدعو الإنسان إلى مراجعة مسلماته، وإعادة بناء قناعاته على أساس التفكير والاستدلال. وهنا يتحول السؤال من أداة لغوية إلى منهج تربوي، ومن صيغة بلاغية إلى استراتيجية معرفية.

إن القيمة الكبرى للسؤال في القرآن أنه لا يكتفي بإنتاج المعلومة، بل ينتج الإنسان القادر على إنتاج المعرفة. فهناك فرق بين عقل يتلقى الأجوبة، وعقل يعرف كيف يصوغ الأسئلة. الأول يظل أسير ما يقدم إليه، أما الثاني فيصبح قادرًا على الاكتشاف والإبداع والتجديد.ولهذا لم يجعل القرآن الإيمان قائمًا على التسليم الأعمى، بل دعا إلى النظر في الأنفس والآفاق، والتأمل في خلق السماوات والأرض، والسير في الأرض لاستخلاص السنن، واستحضار التاريخ لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. وكل هذه الدعوات تبدأ بسؤال ضمني: لماذا؟ وكيف؟ وما الحكمة؟ وبذلك يصبح السؤال هو القوة المحركة للفكر، وليس مجرد وسيلة للحصول على معلومة عابرة.

ومن اللافت أيضًا أن القرآن لم يربط السؤال بالشك الهدام، بل بالبحث المسؤول عن الحقيقة. فهو يدعو إلى سؤال أهل العلم عند الجهل، وإلى إقامة البرهان عند الاختلاف، وإلى الاحتكام للعقل عند النظر في الكون، وإلى الحوار عند تباين الآراء. وبهذا يحرر الإنسان من سلطة التقليد، ويجعله مسؤولًا عن قناعته، لأن المعرفة في التصور القرآني لا تُورث، وإنما تُكتسب بالسعي والنظر والتدبر. ولهذا جاءت الآيات التي تذم التقليد الأعمى في مقابل الآيات التي تمجد العقل والتفكر، وكأن القرآن يريد أن يؤسس ثقافة يكون السؤال فيها فضيلة معرفية، لا علامة ضعف أو تمرد.

وإذا تأملنا تاريخ الحضارة الإسلامية وجدنا أن ازدهارها العلمي لم يكن بعيدًا عن هذا المنهج القرآني؛ فقد قامت حركة الترجمة، والمناظرات، والبحث في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة والفقه، على ثقافة السؤال قبل ثقافة الجواب. ولم يكن العلماء الكبار يبدأون من اليقين المكتمل، بل من السؤال الذي يفتح باب الاكتشاف. وهذا ما يجعل السؤال في القرآن أكثر من أسلوب بياني؛ إنه الأساس الذي قامت عليه حركة العقل في الحضارة الإسلامية حين فهم المسلمون أن الوحي لا يغلق أبواب التفكير، بل يفتحها، ولا يصادر العقل، بل يهديه إلى طرائق عمله.

ومن هنا يمكن القول إن القرآن يقدم رؤية متميزة للمعرفة الإنسانية، تقوم على أن المعرفة لا تُمنح للإنسان جاهزة، بل تُبنى من خلال التفاعل بين الوحي والعقل، وبين النص والواقع، وبين السؤال والجواب. فالوحي يرشد، والعقل يتدبر، والإنسان يكتشف، وبهذا تتولد المعرفة في حركة دائمة لا تعرف الجمود.وإذا كان السؤال هو أول خطوة في طريق العلم عند الفلاسفة والمفكرين، فإن القرآن قد سبق إلى جعله جزءًا من بنية الخطاب الإلهي، حتى غدا السؤال فيه ليس مجرد وسيلة للاستفهام، بل مدخلًا إلى إنتاج المعرفة الإنسانية، وبناء العقل، وتحرير الوعي، وصناعة الحضارة. ولعل هذه الحقيقة هي إحدى الرسائل الكبرى التي يحتاج الفكر الإسلامي المعاصر إلى إعادة اكتشافها؛ لأن الأمم التي تتوقف عن السؤال تتوقف عن التفكير، وإذا توقف التفكير توقفت المعرفة، وإذا توقفت المعرفة تعطل العمران، بينما يظل السؤال الصحيح هو البداية الحقيقية لكل نهضة علمية وحضارية.

نُشِرت في مهارات تربوية | أضف تعليق

علمتني الحياة.. وعلمني أهل الفضل (1)

علمتني الحياة.. وعلمني أهل الفضل (1) – د. محمد حامد عليوة
* أن الخاطر الذي لا تستطيع جبره لا تكسره.
* وأن الجميل الذي لا تستطيع رده لا تنكره.
* وأن كسب القلوب مُقدم على كسب المواقف.
* وأن الجسور التي بينك وبين الناس لا تهدمها، فعسى أحدهم يريد عبورها إليك، أو تحتاج أنت لها يومًا.
* وأن بهجة العطاء تفوق لذة الأخذ، لأن المرء يعيش بما يأخذ لكنه يحيا بما يُعطي؛
(ففي العطاء حياة).

نُشِرت في أخلاق وقيم تربوية | أضف تعليق

إنه الصبر في غير أوانه

إنه الصبر في غير أوانه – د. محمد حامد عليوة
«في هذا الموقف يوم الحشر
﴿يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّار﴾؛ لن ينفعهم الصبر، لأنه صبر في غير أوانه. ﴿فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾.
لقد كان حريٌّ بهم في الدنيا أن يصبروا على هوى النفس وزينة الحياة، ويقاوموا في أنفسهم الكبر والعناد، وتكذيب الحق والصدّ عنه وعداوة أهله».

نُشِرت في أخلاق وقيم تربوية | أضف تعليق

العبد بين طلب الرضا والعفوّ

العبد بين طلب الرضا والعفوّ
ما أجمل أن يتسع رجاء العبد في رحمة ربه، ويُحسن الظن بمولاه، وهذا ما كان عليه حال سلف الأمة.
قال محمد بن واسع: كان مُطَرِّف بن عبد الله يقول:
«اللهم ارض عنا فإن لم ترض عنا فاعف عنا»، فإن المولى قد يعفو عن عبده وهو عنه غير راض.

نُشِرت في أخلاق وقيم تربوية | أضف تعليق

العاملون المخلصون بين إعداد وإمداد

العاملون المخلصون بين إعداد وإمدادد. محمد حامد عليوة
«العاملون المخلصون في سيرهم إلى الله لا ينتظرون ثناءً ولا ينشغلون بهجاء؛ ولكن يشغلهم القيام بالواجب.
فتراهم بين حالين؛ إما حال إعداد أو حال إمداد، وفي كل أحوالهم تراهم؛ إما يؤدون عملًا صالحًا أو يتركون أثرًا نافعًا».

نُشِرت في المربي القدوة | تعليق واحد

حرمان التوفيق من أعظم البلاء

حرمان التوفيق من أعظم البلاء – د. محمد حامد عليوة
‏إذا غاب الإخلاص حل التعثر وحُرم المرء التوفيق؛ وحرمان التوفيق من أعظم البلاء وسبيل الشقاء.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينا لَنهْدِيَنهُمْ سُبُلَنا﴾، ورحم الله الإمام بن الجوزيّ حين قال: «إنما يتعثر من لم يُخلص».
ومع الإخلاص يكون التوفيق؛ فتتنزل الرحمات، وتحل البركات، وتقال العثرات، وتتحقق الفتوحات.

نُشِرت في التربية الدعوية | أضف تعليق

ولو أرادوا.. لأعدوا – د. محمد حامد عليوة

ولو أرادوا.. لأعدوا – د. محمد حامد عليوة
«من أراد شيئًا لا بد أن يُعد له عُدةً.
وكل وقت أو جهد يُبذل في الإعداد يُختصر في الأداء، ويُرى أثره في العمل.
وعلى قدر الإعداد يكون الإمداد؛ لأن المرء يُعان بقدر إخلاصه في العمل والأداء فيه بإحسان، وأول الإحسان (حُسن الإعداد)».

نُشِرت في التربية الدعوية | أضف تعليق

قَدْرُكَ حِينَ يَرى النَّاسُ أَثرَك

قَدْرُكَ حِينَ يَرى النَّاسُ أَثرَك – د. محمد حامد عليوة
«لا تتحرك لفعل خير أو القيام بواجب من أجل أن يراك الناس؛ ولكن تحرك بإخلاص وصدق؛ فسيرى الناس أثرك، ويشهدون نتاج فعلك، هنا سيقدرك الناسُ حق قدرك؛ لأنهم رأوك من باب فعلك وأثر جهدك لا من ملامح شخصك.
فكل ما كان لله يبقى، وما كان لغير الله يفنى ويبلى».

نُشِرت في التربية الدعوية | أضف تعليق

(وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾

(وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾
حين تقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾؛ تعلم أنك مأمور أن تحيا لله بالكُليّة.
نعم.. له كل شيء وفي سبيله كل جهد، وحين تكون خالصًا مخلصًا لربك، قاصدًا بقولك وعملك كله وجه الله؛ تنال الهداية والكفاية والرشاد والسداد؛
وقد أحسن من قال:
«اعمل لوجه واحد يكفيك كل الأوجه».

نُشِرت في التربية الدعوية | أضف تعليق

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
«مَن بَذلَ للهِ طاقته؛ نالَ مِنَ اللهِ هِدايته، ومَن كان في الله جهاده؛ كان على الله إمداده. إنها حقيقة يُقرها ربُنا في كتابه العزيز:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾». (العنكبوت: 69)

نُشِرت في التربية الدعوية | أضف تعليق

متى يجد العبد طعم الراحة؟ – د. محمد حامد عليوة

متى يجد العبد طعم الراحة؟ – د. محمد حامد عليوة
هذا سؤال عجيب سأله رجل من أهل خُراسان للإمام أحمد بن حنبل، والأعجب أن يقول له قبل أن يسأله: يا أبا عبد الله، قصدتك من خُراسان أسألك عن مسألة!
يعنى: الرجل يأتي من خرسان إلى بغداد كي يسأل هذا السؤال!
نعم: جاءه ليسأل سؤالًا يكشف لنا عن حقيقة العيش في هذه الحياة الدنيا، ويكشف لنا أن الراحة الحقيقة ليست هنا، ولكن في الآخرة، حين يطمئن العبد إلى مآله، ويضع أول قدم له في الجنة.

وإليكم هذا الموقف موثقًا من مصدره:
«جاء رجل من أهل خُراسان إلى الإمام أحمد بن حنبل، فقال له: يا أبا عبد الله قصدتك من خرسان أسألك عن مسأله، قال له: سل، قال: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة». (المصدر: المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد، لمؤلفه الإمام برهان الدين بن مُفلح – [2/398]).
وسألَ رجلٌ أحدَ التَّابعين: متى أطمئن؟ فقال له:
«إذا صار الصِراط خلفَكَ»
.
إن الراحة لا تنال بالدعة والخمول وضياع الساعات فيما لا يجدي نفعا، وإنما الراحة الحقيقية هي عين التعب في مرضاة الله.

لا شك أن الحياة مكابدة ومعاناة حتى يبلغ الانسان غايته ويُحقق أهدافه ويصل إلى أمانيه، ومصداق ذلك قول الله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}، والجنة سلعة غالية لا يفوز بها إلا من قدم الثمن في الدنيا من إيمان عمل وجهاد وتضحية وبذل وعطاء، والدنيا لم يُخلَق الإنسان ليرِثها بلا مجهود، وإنما خُلِقَ ليأخذها غِلابا، ورحم الله أحمد شوقي حين قال:
وما نيل المطالب بالتمني … ولكن تُؤخذ الدنيا غلابا

والأمر لا يقف عند حد الأماني، لأن الأماني الباطة رأس مال المفلسين، ومن لم يُترجم الآمال إلى أعمال والرغبات إلى عمليات؛ فلن يجني ثمرًا ولن ينال آجرًا، ومن طلب السكون والراحة لن يبلغ مفقود ولن يصل إلى مقصود.

ورحم الله الإمام ابن القيّم إذ قال:
«قد أجمع عقلاء كل أمة على أنّ النعيم لا يُدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأنه بقدر الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللّذة، فلا فرحة لمن لا همّ له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له.»

ومن جميل ما كتب د. محمد سعيد بكر؛ تحت عنوان: (بصراحة.. لا راحة).
نحن لا نريد أن نستوعب بأن لحظات السعادة والراحة (المادية) في دنيانا القصيرة ما هي إلا استثناء.
لأن الأصل في الدنيا أنها دار اختبار وتنغيص ونكد.فالإنسان خُلق هلوعًا. وهو مخلوق في كبَد.ومن عجَل. وأحضرت نفسه الشح.
لأجل ذلك ينبغي علينا تعويض ذلك بتحقيق سعادة الروح وراحة الضمير.

فمن الأمور المُعينة على سعادة الروح وانشراح الصدور وراحة الضمير ما يأتي:
– اليقين التام بوجود الله وقدرته وحكمته.
– مداومة المناجاة ومطالعة الأسماء الحسنى، والاستغفار والذكر، والتفكر بغاية الوجود.
– مطالعة السيرة والشمائل والمغازي والدلائل النبوية.
– مجالسة ومتابعة ومطالعة أحوال الكرام الطيبين من الدعاة والمجاااهدين.
– الاهتمام لأمر الأمة، وإعداد النفس لسداد الثغور. وترك الأنانية والخوَر والقعود.
– معرفة حقيقة الدنيا، والتطلع للآخرة، والزهد في النعمة، والتعلق بالنعيم.
– العيش مع كتاب الله تعالى؛ سماعًا، وتلاوة، وتدبرًا، وحفظًا، وتطبيقًا، وتبليغًا.
– العطاء، والتطوع، والصدقة، والهبة، والهدية، والوصية التي تنفع (الآخرين) ولا تَضُرُّ (الوارثين).
– استحضار وتعداد النعم القائمة الموجودة، جملة وتفصيلًا. قبل التطلع للنعمة القادمة والمفقودة.
– الثقة المطلقة بوعد الله للطيبين (بالحسنيين). ووعيده للمجرمين (بالعقوبتين).
تلك عشرة كاملة.. تجلب لك السعادة، والسكينة، والهدوء، والراحة النفسية. وإن كنت لا تملك من أسباب الراحة المادية شيء. حتى يأتيك اليقين. وهناك يجتمع لك راحة الجسد وسعادة الروح.

نعم.. النعيم لا يدرك بالنعيم، ولكنها المكابدة وبذل الجهد واستفراغ الوسع، فلا نعيم لمن لا عناء له، ولا راحة لمن لا تعب له، ورحم الله الشهيد سيد قطب يوم قال: «إن الذين يعانون هم الذين يدركون». وقال أيضا في فوائد الشدائد: «فالشدائد تستجيش مكنون القوى ومذخور الطاقة، وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد».
ويقول ابن ناصر السعدي – رحمه الله – في تفسيره:
«كلما عظم المطلوب، عظمت وسيلته، فلا تنال الراحة إلا بترك الراحة، ولا النعيم إلا بترك النعيم».
بصرتَ بالراحة الكبرى فلم ترها … تُنال إلا على جسر من التعب

وختامًا: إذا أسقطنا هذا الأمر على الدعاة والمصلحين والعاملين لدين الله، نستطيع القول: أن أصحاب الدعوات السائرون بصدق إلى الله يوقنون بأن طريق الدعوة ليس مفروشًا بالورود، وأن الحياة الحقيقية ما كانت في كنف الله، وأن الراحة الحقيقية ما كانت يوم لقاء الله، وأن المعاناة على طريق الحق هي عين الراحة، ورحم الله الإمام حسن البنا يوم قال كلمته المشهورة الدالة على هذا المعنى: «راحتي في تعبي. وسعادتي في دعوتي».
والحمد لله رب العالمين

——————————————————————–

نُشِرت في أخلاق وقيم تربوية | أضف تعليق

النصر في الثبات على الحق حتى الممات

النصر في الثبات على الحق حتى الممات
(درس من حياة وموت سيف الله المسلول)

دخل أبو الدرداء على خالد بن الوليد -رضي الله عنهما- في مرض موته بحمص، فوجده جسدًا أنهكته السيوف ولم تُنهكه الأيام، ورجلًا حمل راية الإسلام في أشد ساعاته فلم تنكسر له راية ولم يهن له عزم.

جلس أبو الدرداء قريبًا منه، وكان خالد يعلم أن الأجل قد اقترب، فقال كلام من ذاق مرارة المحاسبة وصدق المراجعة، وأشار إلى أيامه مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لا على سبيل الشكوى بل على سبيل الفهم بعد طول نظر.

قال إن في نفسه يومًا شيئًا من عزل عمر له ومن شدته عليه ومحاسبته لماله كما كان يحاسب غيره من أهل السابقة والفضل، ثم قال إنه لما تدبر ذلك في مرضه علم أن عمر (رضي الله عنه) ما أراد إلا الله، وأنه لم يكن يفرق بين قريب وبعيد ولا بين عظيم ووضيع إذا تعلق الأمر بالأمانة والعدل، وأن اختلافهما لم يكن يومًا في دين ولا إخلاص وإنما في رأي واجتهاد، فلما بلغه أن عمر عزل من هو خير منه من كبار الصحابة سكن ما في نفسه وعرف أن الأمر سياسة دولة لا خصومة رجال.

ثم أوصى خالد أن تُرفع وصيته وأمر بناته وتركته إلى أمير المؤمنين، ثقة بعدله وطمأنينة إلى أمانته، وهي وصية تدل على صفاء صدره وخلو قلبه من كل حقد، ثم غلبه النوم قليلًا، فلما أفاق قال كلمته التي حفظها التاريخ، متحسرًا لا جزعًا، متعجبًا لا ساخطًا، فذكر أنه شهد معارك كثيرة، وأنه ما في جسده موضع شبر إلا وفيه أثر ضربة أو طعنة أو رمية، ثم قال إنه يموت على فراشه كما يموت البعير، وتمنى لو أن ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد يُصبح فيها العدو بسَرِيّة من المهاجرين كانت أحب إليه من ليلة تُزف إليه فيها عروس، ثم ختم كلمته بنداءٍ خرج من قلب قائد عرف قيمة الشجاعة فقال ما معناه إن الجبناء لا ينبغي أن تهنأ أعينهم بالنوم.

ومات خالد بن الوليد رضي الله عنه سنة اثنتين وعشرين للهجرة على الراجح، وما مات مهزومًا ولا مكسورًا ولا منسحبًا من ميدان، بل مات بعد أن أدى ما عليه، فلما بلغ خبر وفاته عمر بن الخطاب رضي الله عنه حزن حزنًا شديدًا، وأطرق طويلًا يردد الاسترجاع، وأثنى عليه ثناء من عرف الرجال في مواضعهم، وقال كلمات تدل على مكانته في الإسلام وأنه كان سدادًا في وجوه الأعداء، وأنه ميمون العاقبة، وأن مثل خالد يحق أن يُبكى عليه، وهو ثناء ثابت في معناه عند أهل السير وإن اختلفت ألفاظه.

وقد تنبه العلماء والمؤرخون إلى لفتة بديعة في خاتمة حياة خالد، فقالوا إن خالدًا لم يُهزم في معركة قط لا في جاهلية ولا في إسلام، ولم يُقتل في ميدان، ولم يكن يليق بسيفٍ سماه رسول الله ﷺ سيف الله المسلول أن يُكسر، فكانت وفاته على فراشه شهادة أخرى على أن (النصر ليس دائمًا بالموت في ساحة القتال، بل بالثبات حتى آخر النفس).

هذه القصة رُويت أصولها في كتب معتمدة عند أهل العلم والتاريخ مثل سير أعلام النبلاء للذهبي والكامل في التاريخ لابن الأثير وما نقله أهل السير من أخبار الصحابة، وهي قصة لا تُروى للتغني بالماضي ولا لإثارة الحماسة المجردة، بل لتذكير القلوب بمعنى الإخلاص حين يختلف الرجال ولا تختلف المقاصد، وبمعنى العدل حين يُحاسَب القوي كما يُحاسَب غيره، وبمعنى الشجاعة حين يعيش صاحبها عمرًا كاملًا ثم يلقى الله راضيًا مطمئنًا.

ومن يقرأ مثل هذه السيرة لا يحتاج أن يُطلب منه نشرها، لأن القصص الصادقة إذا وصلت إلى القلب خرجت منه إلى غيره تلقائيًا، فبقاء هذه المعاني حيّة في الذاكرة ليس فضلًا زائدًا، بل هو نوع من الوفاء لرجال صنعوا التاريخ، ولأمة لا تزال تحتاج أن تتذكر كيف كان الصدق حين يكون لله وحده.

—————————————————————–

نُشِرت في أخلاق وقيم تربوية | أضف تعليق

ليكن همّك همًّا واحدًا

ليكن همّك همًّا واحدًا
إنه الهمّ الحقيقي الذي إذا انشغل به المسلم في حياته لهانت عليه كل الهموم، إنه الهم الأساسي الذي إن امتلاْ به قلب المؤمن لصغرت في نظره كل الهموم، وتلاشت كل الصعاب.

ورحم الله الدكتور أحمد العسال يوم أوصى أحد طلابه وهو يودعه في سفره قائلًا له: «فليكن همّك همًّا واحدًا، وهو رضا الله عز وجل، ودَعْ بقية الهموم، فإن الله يتكفّل بها.»

وبالتالى فأصحاب الدعوات وأرباب الرسالات لا تراهم يحملون همّ الدنيا، فهم يعرفون حقيقتها، إنما يشغلهم ويسيطر عليهم همّ الدعوة، وهمّ الفوز والنجاة فى الآخرة. ولنسمع للشيخ عبد القادر الجيلاني وهو يثبت هذا المعني عند غلامه ومريده حين نصحه قائلًا: «يا غلام؛ لا يكن هَمك ما تأكل وما تشرب، وما تلبس وما تنكح، وما تسكن وما تجمع، فكل هذا همُّ النفس والطبع، فأين هم القلب والسر وهو طلب الحق عز وجل؟ همك ما أهمك. فليكن همك ربك عز وجل وما عنده. الدنيا لها بدل وهو الآخرة، والخلق لهم بدل وهو الخالق عز وجل، كلما تركت شيئًا من هذا العاجل، أحدثه عوضًا وخيرًا منه في الآجل».

وهذا الإمام الشهيد حسن البنا وهو إبن الثانية والعشرين من عمره؛ يفكر في أمر دعوته ودينه، وينشغل بحال أمته، ويؤسس لحركة تسعى إلى التمكين لدينه، وتحقيق الأستاذية للإسلام والمسلمين في هذه الحياة؛ (لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا)، وينذر لذلك حياته ونفسه وكل ما يملك، فتراه يجوب القري والنجوع والبلدان يدعو للإسلام، ويربي الناس عليه، حتي قال يومًا من علوّ همته وشدة حرصة على دعوته: «وددت أن أبلغ هذه الدعوة حتى إلى الجنين في بطن أمه».

نُشِرت في أخلاق وقيم تربوية | أضف تعليق

حالنا بين الغدر والوفاء

حالنا بين الغدر والوفاء
سُئل رجلٌ من بني أميّة: لماذا سقطت دولتكم؟
فقال:
«قربنا الخصم طمعًا في وُدّه، وأبعدنا القريب ضامنين ولاءه، فنالنا غدرُ الأوّل، وخسرنا وفاءَ الثاني». وإن الولاء الحق لله ورسوله والذين آمنوا. ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا. ﴾. (المائدة: 55)
هذا حالنا في هذا الزمن العصيب، أسأل الله أن يُبرم لأمتنا أمر هداية ورشد، فلا يغدر بها خصم ولا يخذها قريب.

نُشِرت في أخلاق وقيم تربوية | أضف تعليق

القلوب أوعية – د. محمد حامد عليوة

القلوب أوعية – د. محمد حامد عليوة
فيا سعد من علَّق قلبه بالله، وأحب الخير لعباد الله، وجعل قلبه وعاءّ لكل خير، فلا غل ولا حقد ولا حسد ولا بغضاء، إنه القلب النقيّ معين الصفاء، ويا شقاء من أهمل قلبه واتبع هواه، وحرم قلبه من التعلق بمولاه، فقسى قلبه وفسد، ومن فسد قلبه فسد سائر جسده، وعاش معيشة ضنكاً.
وفي الحديث عن النعمان بن بشير أن رسول الله قال:
«ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا إنَّ حِمَى اللَّهِ في أرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً؛ إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ». (رواه مسلم).
ورضي الله عن الإمام علي بن أبي طالب يوم نصح كُمَيْل بن زياد؛ فقال:
«يا كُمَيل: إنَّ هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها للخير»
. (رواه أبو نعيم في الحلية، وابن عساكر في تاريخ دمشق).
وكان سيدنا عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يقول:
«إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولاتشغلوها بغيره».
وجاء في الأثر: «إن لله في أرضه آنية – وهي القلوب – فخيرها أرقُّها وأصلبُها وأصفاها».

نُشِرت في أخلاق وقيم تربوية | أضف تعليق

﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾

﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾
إنها دعوة واضحة صريحة لكل قائدٍ أن يكون قدوة حسنة لأتباعه، يأخذ التكاليف بقوة مع نفسه، ثم يأمر قومه يأخذوا بأحسنها، فيحقق في نفسه السبق ويصبح بذلك أهلاً للاقتداء.
فالإمام يتقدم الصفوف ولا يقف خلفها، يتقدمها في حاله قبل مقاله، وفي عطائه مع أدائه.
ولقد صدق من قال:
«إذا كنت إِمامي فكن أَمامي».

نُشِرت في المربي القدوة | أضف تعليق

لا تُحاصر ولدك إذا أخطأ – د. محمد حامد عليوة

لا تُحاصر ولدك إذا أخطأ – د. محمد حامد عليوة
لا تحاصر ولدك إذا أخطأ، واترك له فرصة للمراجعة وبابًا للعودة، فرب العباد لا يغلق بابه في وجه أحد من عباده، بل يفرح -سبحانه- بتوبة عبده.
ولا تكثر من العتاب لولدك إذا قصّر، ولكن عزز ثقتك به؛ عندها سيثق بنفسه ويتجاوز خطأه.
ومن وصايا الإمام الغزالي في الإحياء:
«ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين؛ فإنه يُهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح، ويسقط وقع الكلام من قلبه».

نُشِرت في المربي القدوة | أضف تعليق

من معالم شخصية المسلم – الإمام حسن البنا

من معالم شخصية المسلم – الإمام حسن البنا
«ليس الأخ المسلم ذليلًا ولا مَهينًا، ولا أنانيًا ولا شحيحًا، وليس خائنًا ولا كاذبًا، وليس جبانًا ولا رعديدًا، لا يخشى إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يعمل إلا لله وحده، يُقيم الصلاة ويُوتي الزكاة، ولا يُعطي الدنيّة في دينه ولا الذِلة من نفسه.»

(من مقال للإمام حسن البنا نُشر في جريدة الإخوان الأسبوعية، 4 ربيع الثاني 1352هـ، 27 يوليو 1933م)

نُشِرت في أخلاق وقيم تربوية | أضف تعليق